|
القسم الثاني : الكون
في هذا القسم سوف نشرح لكم الأجرام السماوية التي تشكل الكون· ولا شك أن الشمس والقمر والأرض هي الأجرام السماوية الأقرب إلينا والتي نعرفها أكثر من غيرها··· غير أن هناك أجراما سماوية توجد في أماكن لا ترونها بأعينكم· فكروا مثلا في الأفلام الكرتونية أو في الأفلام السينمائية التي تتحدث عن الفضاء! ففي هذه الأفلام يكون الفضاء الموجود فوق السحاب مليئا بالنجوم والكواكب والصخور· ويقال لكل واحد منها جَرْماً سماويّاً· والمليارات من هذه الأجسام تجتمع في مكان معين لتكون ما يطلق عليه اسم المجرّة· والأجسام أو الأجرام السماوية كلها كبيرة جدّا· وكمثال على ذلك، فإن الأرض بالقياس إلى تلك الكواكب تعد صغيرة الحجم· وبالرغم من ذلك فهي تحمل على ظهرها البشر والحيوانات والجبال والمحيطات وجميع ما يخطر على بالكم · والآن إذا أردتم، لنواصل رحلتنا داخل المجرة التي تجمع داخلها المليارات من الكواكب العظيمة ···
المجـــرّات
تتكون المجرات من مليارات النجوم· ( وعلينا ألا ننسى الأمور التالية: إن النجوم أجرام سماوية كبيرة مثلها مثل الشمس· ومثال ذلك فالأرض أو القمر ليسا نجمين وإنما هما مجرّد كوكبين·) وعدد النجوم الموجودة في أكبر مجرة يصل إلى حوالي 3 تريليونات نجم· وتحتوي المجرة المتوسطة على ما بين 200 و300 مليار نجم، أما المجرة الصغيرة فتحتوي على حوالي 100 مليار نجم · وهنا، لنتوقف ونفكر قليلا: ماذا يعني الرقم مليار بالنسبة إليكم؟ مثال ذلك: إذا وضعنا الرقم واحد وأمامه صفران، فهذا يعني 100 .وإذا أضفنا له صفرا آخر، فإنه يصبح ألفا· أضيفوا له صفرا آخر، يصبح أمامكم الآن 10000 (عشرة آلاف)· هل بإمكانكم أن تعدّوا حتى الرقم عشرة آلاف؟ قد يكون ذلك ممكنا، ولكنه بلا شك سوف يستهلك من وقتكم زمنا طويلا· وإذا انتبهتم فإننا إلى الآن لم نصل إلى الرقم مليار· حسنا، أضيفوا صفرين آخرين إلى الرقم ·10000 والآن فإن الرقم الذي أمامكم هو 1000000 (مليون)· وإلى الآن لم نستطع الوصول إلى عدد النجوم الموجودة في المجرة· أما إذا وضعتم ثلاثة أصفار أخرى خلف المليون، فعندئذ تكونون قد وصلتم إلى الرقم 1000000000 (مليار)· وهل يمكنكم أن تعدّوا حتى الرقم مليار؟ والآن لنقدم لكم الجواب: كم يلزمكم من عشرات السنين حتى تصلوا إلى الرقم مليار···؟
والآن لنعتبر أننا اقتربنا من الرقم الذي تكونه النجوم الموجودة في المجرة· ولنضف الآن صفرين آخرين إلى الرقم مليار 100000000000 (مائة مليار)· فهذا الرقم هو للنجوم التي تحتل أصغر مجرة ضمن مليارات المجرات الموجودة في الكون · والآن هل أدركتم عظمة الفضاء ومقدار كبره؟ ولو أخذتم تحصون النجوم الموجودة في الفضاء طيلة حياتكم ودون توقف، فإنكم لن تستطيعوا أن تُحصوها ·
أما الله تعالى خالقنا فهو الذي أبدع هذا الفضاء- الذي لا يمكنكم تخيله- من العدم . والله تعالى هو المتحكم-في كل لحظة- في هذا الكون الذي لا حدّ له· فهو تعالى عالم بكل ما يحدث في كوننا العظيم، ومُطّلع على كلّ شيء فيه· ويبين سبحانه قدرته في إحدى آيات القرآن الكريم كما يلي :
يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير . سورة آل عمران، الآيـة ·29 ولنعد مرة أخرى إلى موضوعنا، ولنحاول معرفة المجرات التي خلقها الله تعالي عن قرب ·
إن المجرات الكبيرة والمتوسطة تمثل مركزا للمجرات، وهذا المركز يمثل تجمعا متكونا من حوالي مائة مليار نجم · وحول مركز هذه المجرة توجد شعب تدور حوله بسرعة مذهلة· وتتكون هذه الشعب من النجوم والغازات وسحب الغبار · إنّ مراكز المجرات مع شعبها تمثل أكبر الأجرام السماوية في الفضاء· وهذه الأجرام السماوية الضخمة تشكل فيما بينها كتلا متعددة· وتوجد في بعض كتل المجرات آلاف المجرات· وهذه الكتل للمجرات تشكل فيما بينها أيضا كتلا أخرى وهذا التكتل المنتظم يتواصل على هذا النحو ·
ولنذكر بما شرحناه إلى الآن :
تتكون المجرات من مليارات، بل من تريليونات النجوم · توجد مراكز للمجرات الكبيرة والمتوسطة· وهذه المراكز تجمع في داخلها حوالي مائة مليار مجرة، وتتكون في شكل كتل ·
يوجد لمراكز المجرات شعب تتكون من النجوم وغبار الغازات والتراب· وهذه الشعب تدور بسرعة كبيرة حول مركز المجرة · تتجمع المجرات في مكان واحد لتكون كتلا من المجرات· ويمكن أن يوجد في كتلة المجرة الواحدة الآلاف من المجرات· وكتل المجرات تتكتل من جديد فيما بينها ·
وإلى جانب كل هذا، لا تنسوا أن المجرة المتكونة من مائة مليار نجم تعتبر مجرة صغيرة· كما لا تنسوا أن كل نجم هو على أقل تقدير في حجم شمسنا، وبالإضافة إلى ذلك هناك بعض النجوم التي تدور حولها كواكب أخرى منها ما هو ضخم ومنها ماهو صغير ··· حسنا، والآن فكروا كثيراً ثم أجيبوا· هل يمكن لمليارات النجوم أن تنتظم من تلقاء نفسها؟ وهل يمكن للنجوم أو لبقية الأجسام السماوية الأخرى (مثال ذلك أرضنا أو بقية الكواكب الأخرى) أن تتحرك من تلقاء نفسها مشكلة توازنا عجيبا دون أن تصطدم ببعضها البعض؟
كلا، لا يمكن أبدا للنجوم أن تكون نظاما أو توازنا من تلقاء نفسها· وهذا يبين أن هناك خالقا ومصمما ومنظما هو الذي نظم حركة هذه النجوم منذ لحظة وجودها، أي منذ مليارات السنين دون أن تصطدم ببعضها البعض· ولا شك أن هذا الخالق هو الله تعالى المتحكم في الكون كله· إن الله تعالى رسم طرقا لا تحصى للكواكب والنجوم والمذنبات التي تحوم في الفضاء· وهذه الأجرام السماوية تتقدم في الفضاء دون أن تصطدم ببعضها البعض · والآن نواصل رحلتنا في مجرتنا التي توجد في هذا الفضاء !
مجرة درب التبانة
إن درب التبانة هي المجرة التي توجد ضمنها أرضنا· ودرب التبانة مجرة كبيرة جدا· ومن الطبيعي أن يكون لدرب التبانة مركز للمجرة، شأنها في ذلك شأن جميع المجرات الكبيرة· وإذا تذكرون، فقد تحدثنا في قسم المجرات عن معنى مركز المجرة· والنجوم التي توجد في هذا المركز تكون أقدمهاو ألوانهاحمراء وصفراء· أما النجوم الموجودة في شعب المجرات فهي تكون أكثر التهابا وأكثر شبابا، وهي النجوم الزرقاء· كما أنه يوجد في هذه الشعب سحب من الغازات ومن التراب ·

  
يظهر من خلال السهم موقع الأرض في مجرة درب التبانة ·  |
وهذه المجرة تكون في شكل لولبي، وفي الأصل فإن شكل المجرة يكون مثل شكل ''وردة الرياح''· بمعنى أن لها فروعا منفتحة خارجة من المركز · وهي فروع أربعة، ويسمى أحد هذه الفروع فرع ''الصياد''· ويوجد ''النظام الشمسي'' في هذا الفرع، ومن بين الكواكب المكونة لهذا التجمع نجد الأرض التي نعيش عليها·
إنّ النظام الشمسي الذي يوجد في درب التبانة هو في القسم القريب من مركز المجرة· ولكن، بالرغم من قربه هذا فإنه لا ينهي دورته حول المركز سوى بعد 220 مليون سنة ·
ودرب التبانة العظيم هذا يواصل حركته هذه منذ مليارات السنين · وبالرغم من أن النجوم الموجودة داخله تدور بسرعة مذهلة فقد حافظ على نظامه وتوازنه دون أدنى خلل· غير أنه لا يمكن للنجوم أن تكوّن لنفسها ومن تلقاء نفسها هذا النظام· وهي لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تتخذ قرارا وتنفذّه بهذه الدقة· تخيلوا حجارة متناثرة في مكان ما! وتتجمع هذه الأحجار، وتتخذ قرارا بأن تقول:'' ليكون قسم منّا المركز، ويكوّن القسم الآخر الفروع· ثم نتبع خطة نسير وفقها بشكل دائريّ، دون توقف ودون أن نُخلّ على الإطلاق بالنظام الذي نتبعه''· هل يمكنها أن تفعل ذلك؟ حسنا، وإذا قدم إليكم شخص، وقال إنه رأى شيئا مثل هذا بالفعل، هل تصدّقون ما يقوله لكم؟ لا شك أنكم لا يمكن أن تصدّقوه··· والحقيقة أن كلام الذين يقولون بأن درب التبانة قد تكوّن بالمصادفة، وأن النجوم تتحرك وفق القرار الذي اتخذته بنفسها، هو كلام مضحك شأنه شأن المثال الذي ضربناه حول اجتماع الأحجار مع بعضها البعض، ثم اتخذت القرار بالتحرك ·
لا تنسوا، فمثلما أن الأحجار كائنات غير حية فكذلك الأمر بالنسبة إلى الأجرام السماوية، فهي أيضا كائنات بلا روح ولا شعور · إنه يستحيل على أحد غير الله تبارك و تعالى أن يُوجد هذه النجوم العظيمة التي تعد بالمليارات ثم يشكّل منها نظاما خارقا· ولهذا السبب، فكل ما تعلمناه حول الكون يذكرنا بوجود الله تعالى وقدرته اللامحدودة على الخلق· ويكشف لنا أيضا عن علمه ومعرفته اللاّمتناهيين ·
والآن، نواصل رحلتنا نحو النجوم التي ظللنا نتحدث عنها منذ البداية ···
النجوم
تتكون النجوم والكواكب من السحب المتشكلة من الغازات والغبار الموجودين في الفضاء· وهذه السحب التي تتكون منها الأجرام السماوية تحتل موقعا مهما من الفضاء· وليس لهذه السحب ضوء خاص بها مثل النجوم، ولهذا السبب، فمن الصعوبة رؤيتها· ولكن يمكن رؤيتها عندما تلمع الغازات الموجودة بداخلها أو عندما ينعكس عليها ضوء النجوم الأخرى، أو عندما يمر مصدر الضّوء من أمامها · ترسل النجوم إلى المحيط الذي حولها الحرارة والضوء والطاقة، وتوجد نجوم صغيرة جدا، كما توجد نجوم أخرى غاية في الكبر· وثمة نجوم بحجم الشمس التي نعتبرها نجما عظيما، بل توجد نجوم أخرى أكبر من الشمس بكثير ·

عند النظر إلى النجوم من بعيد تظهر لنا خماسية أو سداسية الأضلاع، ولكن في الحقيقة فإن النجوم مثل الشمس في الكبر · |
حسنا، هل كنتم تعرفون أن النجوم تعيش أعمارا محددة؟ نعم أيها الأطفال، إن النجوم ليست كائنات حيّةً، ولكن شأنها شأن الكائنات الحية تولد وتعيش ثم تموت · ومثلما ذكرنا من قبل، فالنجوم تتكون في السحب، ثم تبدأ في الحياة· وعندما تحين ساعة نجم من النجوم العظيمة وتأتي نهايته فإنه ينفجر انفجارا هائلا، ويتناثر في الفضاء السّحيق· ومن أجزاء هذا النجم المتناثر تتكون نجوم وكواكب أخرى· فالشمس والكواكب الموجودة ضمن النظام الشمسي، وبالتأكيد أرضنا كذلك تكونت في الأزمنة الغابرة إثر
انفجار لأحد النجوم · والآن، لننظر في النظام الشمسي، ولنرَ ما الذي يمكن أن نتعلمه حول النظام الشمسي؟
النظام الشمسي
يتشكل النظام الشمسي، من الشمس وتسعة كواكب، وهذه الكواكب يتصل بها 61 قمرا· ويوجد في الفراغات التي تفصل بين هذه الكواكب مذنبات وشهب كثيرة· والشمس هي أكبر هذه الأجسام السماوية، فهي تمثل قلب النظام الشمسي· وهذه الكواكب التسعة التي تمثل جزءا من النظام الشمسي تدور حول نفسها وفي الوقت ذاته حول الشمس بشكل منتظم· ونذكر هنا أسماء الكواكب انطلاقا من أقرب نجم من الشمس إلى أبعد واحد عنها؛ عطارد وفينوس والأرض والمريخ والمشترى وزحل والزهرة ونبتون وبلوتون· وكما ترون، فإن الأرض تأتي في المرتبة الثالثة من حيث القرب إلى الشمس ·
لكل كوكب من هذه الكواكب المكونة للنظام الشمسي خصائصه المميزة· فمنها ماهو على درجة كبيرة من الحرارة حيث تذيب حرارته الرصاص، ومنها ماهو متجمد تماما، وبعض الكواكب يتكون فقط من الغازات، وبعضها الآخر في حجم القمر من حيث الصغر · هناك انسجام كبير بين الأقمار والكواكب، فالكواكب تجذب إليها الأقمار، ومن ناحيتها فإن هذه الأقمار تعدل تلك الجاذبية· ولو لم يقم ذلك التوازن فإن تلك الأقمار إما أن تصطدم بالكواكب أو تنفصل عنها وتضيع في الفضاء ·
ومثال ذلك، أنه لو كان القمر يدور بسرعة أقل لاصطدم بالأرض بسرعة فائقة، وهذا بلاشك يمثل نهاية الأرض· ولو كان يدور بسرعة أكبر لابتعد عن الأرض ولفقدنا هذا القمر · ولنواصل رحلتنا مع الشمس التي تمثل قلب النظام الشمسي ولنتأمل فيها أكثر ·
الشمس
إنّ الشمس هي أكبر الأجرام السماوية ضمن النظام الشمسي· والشمس شديدة الحرارة، وتتكون من بعض الغازات الملتهبة· ولهذا السبب تحدث على سطحها في كل ثانية انفجارات هائلة تعادل انفجار ملايين القنابل الذرية· وفي هذه الانفجارات يمتد لهيب يصل إلى ما بين أربعين وخمسين ضعفا من حجم الأرض التي نعيش عليها · والشمس التي تشبه الكرة الملتهبة ترسل حرارة وضوءا شديدين· ولو لم تكن الشمس موجودة لكان الزمن كله ليلا، ولكان كل شيء عبارة عن كتل ثلجية· والأهم من كل ذلك، وهو ماذكرناه من قبل أن الحياة تنعدم على الأرض، وبالتالي لا يكون لنا وجود ·
من المعروف أن الفضاء عبارة عن ظلام (أنتم تذكرون ذلك من خلال أفلام الفضاء)، وأرضنا هي مجرد جسم وسط هذا الظلام الحالك· وليس هناك جسم آخر في الفضاء غير الشمس يمكن أن يبعث الحرارة والضوء إلى أرضنا ·
إنّ الضوء الذي ينبعث من الشمس ساطع جدا، وأنتم جربتم النظر إلى الشمس في يوم صحو· تذكروا ذلك، فلمجرد النظر لبضع ثوان إلى الشمس لا تتحمل عيونكم ذلك، أليس كذلك؟ وفي الحقيقة فإن النظر إلى الشمس خطير جدا بسبب هذا الضوء الساطع· فهذا الضوء يمكن أن يلحق الضرر بعيوننا، كما أن البقاء في الصيف لأشعة الشمس يمكن أن يسبب أضرارا كبيرة· بل إن هذه الأشعة يمكن أن تترك آثارا حقيقية والتهابات في الجلد تتطلب علاجا طويلا· فالضوء المنبعث من الشمس، وبصفة خاصة في فصل الصيف يكون شديدا جدا· هذا، والحال أن الشمس تبعد عن أرضنا ملايين الكيلومترات، ولا يصل إلينا من ضوئها سوى 2 بالألف ·
حسنا، فإذا كانت الشمس على هذا القدر من البعد، وإذا كانت حرارتها على الأرض بهذا القدر، فماهي حرارة سطح الشمس؟
يعطي العلماء أرقاما تقريبية في هذا الموضوع· غير أنه لا يمكن مقارنة حرارة الشمس بأي حرارة أخرى مما نعرفه في الأرض· تأملوا جيدا! فحرارة الشمس على سطحها تبلغ 6 آلاف درجة، بينما ترتفع هذه الحرارة في داخلها إلى 12 مليون درجة··· فهل يستقيم أن نقارن هذه الحرارة بأية حرارة أخرى نعرفها؟ فنحن إذا لمسنا الماء بحرارة خمسين درجة لا نستطيع أن نتحمل ذلك· وحتى أحر أيام الصيف تكون في حدود أربعين إلى خمسين درجة· ومن هنا نفهم أن الله تعالى جعل المسافة بين الأرض والشمس في غاية الاتساق· فلو كانت الشمس أقرب إلينا بقليل لاحترق وتفحم كل ما على الأرض، أما لو كانت أبعد بقليل لتجمد كل شيء عليها· وفي الحالتين تستحيل الحياة ·
لو كانت الشمس أقرب إلى الأرض أكثر مما هو لازم لها فإنها تصبح تتصبب عرقا، بل وتذوب بعد ذلك· وهذه الموازين الدقيقة هي من صنع الله تعالى · |
وفي الحقيقة فإن هناك شبها بهذا في المناطق القطبية التي تستقبل حرارة قليلة، فهي مناطق دائمة التجمد· وبالنسبة إلى المناطق الاستوائية التي تستقبل حرارة عالية، فهي ذات حرارة دائمة الالتهاب· وقد جعل الله تعالى هذه المناطق أمثلة بالنسبة إلينا· أما المناطق الأخرى فقد خلقها على هيئة تناسب تماما حياة الكائنات الحية، وهذا من تمام رحمة الله تعالى بمخلوقاته· فلو أنه سبحانه لم يجعل المسافة الفاصلة بين الشمس والأرض على النحو الذي هي عليه لتعثرت الحياة على الأرض وكانت أكثر صعوبة، بل ربما استحالت · ولكن، كما بينا ذلك في الصفحات الماضية فإن الله تعالى خلق الشمس والقمر على نحو يوفر حياة مريحة على وجه الأرض· وقد ورد في إحدى آيات القرآن الكريم أن الشمس والقمر يتحركان بأمر من الله :
اللهُ الذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ . سورة الرعد، الآيـة ·2
قوة جاذبية الشمس
يرجع الفضل في حركة الأجرام السماوية في الفضاء دون أن يصطدم بعضها ببعض إلى الحساب الدقيق الذي وضعه الله تعالى ''لمداراتها'' التي تتحرك فيها· فالمسار الذي تتبعه الأجرام السماوية في دورانها حول الشمس يسمى ''مدار''· وليس هناك أي كوكب يمكنه أن يخرج عن مداره ليتحرك في اتجاه آخر، فالكواكب مشدودة إلى الشمس بقوة الجاذبية· تأملوا جيدا، ففي اللحظة التي تقرأون أنتم فيها هذه السطور تدور الأرض في مدارها حول الشمس بسرعة 108 آلاف كيلو متر في الساعة· ويمكنكم أن تعرفوا ضخامة هذه السرعة على النحو التالي: إن أقصى سرعة يمكنكم أن تصلوا إليها عند قيادة سيارة عادية هي 200 كيلو متر، يعني أن الأرض تدور حول الشمس بسرعة تبلغ 540 مرة بحجم سرعة السيارة· ويمكن أن نفهم الأمر بشكل أوضح من خلال هذا المثال أيضا: فسرعة الرصاصة تبلغ 1800 كيلو متر في الساعة، وسرعة الأرض في دورانها حول الشمس تبلغ 60 مرة حجم سرعة الرصاصة ·
إن الله تعالى جعل في الأرض توازنات دقيقة حتى يُمْكننا أن نثبت عليها ونتحرك ونجري فيها، وكل ذلك هو بفضل تحكمه في كل شئ · |
فبسرعة الأرض الهائلة هذه، تكون قوة جاذبية الشمس غاية في الأهمية· فلو أنه حصل نقص في قوة جاذبية الشمس فإن الأرض تضيع في الفضاء بسرعة غير عادية، وذلك يمثل نهايتها ···
والعكس أيضا صحيح، بمعنى أنه لو حدثت زيادة في قوة جاذبية الشمس فإن الأرض تتجه نحو الشمس بسرعة هائلة وتذوب وتتبخر· وبالتأكيد فنحن أيضا سوف نتبخر معها· وبالإضافة إلى ذلك، فإن قوة جاذبية الشمس تحول دون اصطدام الكواكب عند اقترابها ببعضها البعض· حسنا، ولكن هل فكرتم يوما كيف يمكن للشمس أن تجذب إليها هذه الكواكب؟ في الحقيقة، إن كل شيء واضح للغاية· فالله تعالى خالقنا هو الذي خلق هذه الكواكب، وهو الذي يحميها باستمرار بذلك النظام البديع ·
وإلى جانب ذلك، فليست الشمس فقط هي التي تملك هذه الجاذبية· فجميع الكواكب الموجودة في داخل النظام الشمسي تملك أيضا قوى للجاذبية· ومثلا، فقوة جاذبية الأرض تجذب إليها القمر· وبسبب هذه الجاذبية يبقى القمر معلقا على مسافة محددة من الأرض· وبفضل ذلك، فإن الأرض بمأمن من خطر اصطدام القمر بها· ولا شك في أن الذي منع القمر من السقوط على الأرض هو الله سبحانه و تعالى القدير على كل شيء ·
وهناك قوةُ جاذبيةٍ أخرى شبيهة بجاذبية الشمس وهي مهمة جدا بالنسبة إلى حياة الإنسان، وهي قوة جاذبية سطح الأرض· فجاذبية سطح الأرض هي التي تمكننا من الحركة والجري على سطح الأرض · تصوروا أن في يد أحدكم كرة، فماذا يحدث عندما يسحب الواحد يده؟ إن الكرة تسقط أليس كذلك؟ لأن جاذبية سطح الأرض جذبتها إلى الأسفل· أما لو كانت هذه الكرة في الفضاء فإنها لن تسقط إلى الأسفل· فعندما يتجه الواحد منا نحو الفضاء فإن جاذبية سطح الأرض تنتهي· ولهذا السبب فجاذبية سطح الأرض مهمة جدا بالنسبة إلى وجودنا ·
ولكن هناك أمر آخر مهم جدا أيضا: فجاذبية سطح الأرض ينبغي أن تكون على النحو الذي هي عليه الآن· فلو كانت هذه الجاذبية أقل مما هي عليه لأصبح الواحد يمشي في الفضاء ولا يستطيع أن يضع قدمه على الأرض، ولا يمكنه أن يتحرك بحرية، ويقذف به من مكان إلى آخر باستمرار· وعندما يريد أن يخطو خطوة يقفز فيصطدم بالسقف· والأمر نفسه فلو زادت هذه الجاذبية، فإن الواحد منكم يتسمر على سطح الأرض ولا يستطيع أن يتحرك· ولا يمكنه أن يتحرك إلا زاحفا · ولكن، لم يحدث لنا أي شيء من هذا، لأن الله تعالى خلق هذه الجاذبية بأفضل شكل لكي يحفظ حياتنا· ونقدم مثالا في هذا الموضوع لكي يتضح الأمر أمامكم أكثر: فمثلما هو الأمر على الأرض توجد أيضا قوة جاذبية على سطح القمر، غير أن هذه الجاذبية أضعف بكثير إذا قارناها بجاذبية الأرض· ولهذا السبب لا يمكن لأحد أن يعيش على سطح القمر· ولا شك أنكم شاهدتم في التلفزيون أو في أحد الأفلام المتعلقة بالفضاء حركة رائد الفضاء على سطح القمر· فهل يمكننا أن نقضي كل حياتنا على ذلك النحو؟ لا شك أن ذلك مستحيل ·
والآن، لنقم بزيارة إلى الكواكب التي تقع تحت جاذبية الشمس، ولنواصل رحلتنا ·
الكواكب
تحدثنا في السابق عن الأجسام السماوية التي تدور حول الكواكب والنجوم· وفي هذا القسم نتناول موضوع الأرض و الكواكب الموجودة في داخل النظام الشمسي· ولنتصور أن النظام الشمسي عبارة عن دائرة، والشمس هي مركز تلك الدائرة ·
وأبعد كوكب عن مركز تلك الدائرة هو بلوتون· وفي الوقت نفسه، فهذا الكوكب هو أبعد كوكب عن الشمس وكذلك أصغر الكواكب· ولا يمكن مشاهدة هذا الكوكب إلا بصعوبة كبيرة· فحتى تلسكوب هابل لم يتمكن من التقاط سوى صورة باهتة لهذا الكوكب· وهذا الجَرم السماوي الصغير هو في غاية ''البرودة''· فدرجة الحرارة فيه هي 238 درجة تحت الصفر! وفي فصل الشتاء تكون درجة الحرارة في الأرض ما بين درجتين وثلاث درجات تحت الصفر· وهذه البرودة التي تبلغ 238 درجة تحت الصفر تمثل 100 ضعف البرودة التي لا نستطيع أن نتحملها نحن في أيام الشتاء· وهذا أيضا يعني أنها برودة يمكن أن تقضي على حياتنا· وبسبب هذه البرودة الكبيرة يبدو هذا الكوكب من الخارج وكأنه كتلة من الجليد ·
وإذا اتجهتم باتجاه داخل مركز النظام الشمسي، بمعنى باتجاه القسم الداخلي من الدائرة فإنكم تصادفون كوكب نبتون· وهذا الكوكب هو أيضا في غاية ''البرودة'': فمعدل الحرارة في هذا الكوكب هو 218 درجة تحت الصفر· ويتكون فضاء هذا الكوكب من الغازات، وهي غازات سامة بالنسبة إلى الإنسان· وإلى جانب ذلك، توجد على سطح هذا الكوكب عواصف عنيفة بسرعة 2000 كيلومتر في الساعة ·
وإذا تقدمتم قليلا نحو مركز الدائرة، فإنكم تقابلون كوكب الزهرة· والزهرة هو ثالث أكبر كوكب في المجموعة الشمسية· وتبلغ درجة حرارة فضاء هذا الكوكب 214 درجة تحت الصفر، بمعنى أنها برودة كافية لتجميدنا في ثانية واحدة· وفضاء هذا الكوكب متكون من غازات سامة، وهو لا يصلح بأي حال للحياة ·
ثم إذا تقدمنا في رحلتنا نحو الشمس نصادف أمامنا كوكب زحل· وهذا الكوكب الذي يأتي في المرتبة الثانية من حيث الكبر و هو مشهور بالحلقات الدائرية التي تحيط به· وهذه الحلقات تتكون من الغازات والجليد والصخور· ودرجة الحرارة في هذا الكوكب هي أيضا من البرودة بحيث لا تسمح بالحياة على سطحه: إنها برودة تبلغ 178 درجة · وإذا تقدمنا باتجاه الشمس قليلا نصادف أكبر كوكب في المجموعة الشمسية وهو كوكب المشترى· وكوكب المشترى يبلغ 11 مرة حجم كوكب الأرض (ولكي تفهموا هذا الكبر تخيلوا 11 أرضاً متحدة مع بعضها البعض!)· كما أن ظروف هذا الكوكب لا تسمح بالحياة على سطحه، لأن هذا الكوكب لا توجد عليه أية يابسة على الإطلاق ·
وبعد كوكب المشترى نصادف كوكب المريخ· وهذا الكوكب إذا قورن بالأرض يعتبر كوكبا ميتا لا حياة فيه، فلا يمكن لأي كائن حي أن يعيش عليه· وتوجد أسباب كثيرة لذلك: أولها أن فضاء هذا الكوكب يتكون من غازات كربونية سامة· وثانيها أنه لا يوجد ماء على الإطلاق على سطحه· وثالثها أن درجة الحرارة تبلغ 53 درجة تحت الصفر· ورابعها أنه توجد على سطحه رياح شديدة وعواصف رملية تستمر لمدة شهور ·
وبعد كوكب المريخ يقابلنا الكوكب الأزرق، وهي أرضنا· وسوف نشرح بالتفصيل خصائص كوكبنا في آخر قسم من هذا الكتاب· ولكن لا بأس أن نذكر من الآن بما يلي: فالأرض هي الكوكب الوحيد الذي يسمح بالحياة على سطحه· وباتجاهنا نحو الشمس أكثر نقابل كوكب المريخ· وهذا الكوكب هو الأكثر لمعانا في الفضاء بعد الشمس والقمر· ولهذا السبب، فإن هذا الكوكب معروف منذ القديم بين جميع الناس· وعلى العكس من الكواكب المتجمدة الأخرى فهذا الكوكب ذو حرارة ملتهبة تبلغ 450 درجة· وهذه الحرارة كافية لإذابة الرصاص· ومن الخصائص الأخرى لكوكب المريخ هو أن فضاءه يتكون من طبقة كربونية كثيفة· وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الفضاء يتكون من طبقة كثيفة من الحوامض تمتد لمسافة كيلومترات· ولهذا السبب تتساقط على سطح هذا الكوكب باستمرار أمطار حمضية قاتلة· وفي مثل هذا الجو لا يمكن لأي كائن أن يعيش ·
 وإذا تقدمنا أكثر نحو الشمس نصادف كوكب عطارد· وهو يعتبر أقرب الكواكب إلى الشمس· وأغرب خصائص هذا الكوكب هي دورانه حول نفسه· ويصل بطء سرعة دورانه حول نفسه بطء سرعة دورانه حول الشمس· وعندما يكمل كوكب عطارد دورتين حول الشمس يكون قد أكمل ثلاث دورات فقط حول نفسه· واستمرار هذا طول الليل والنهار على هذا النحو أدى إلى أن يكون أحد قسمي الكوكبملتهبا بينما القسم الآخر متجمدا· ولهذا السبب فإن الفرق في درجة الحرارة بين الليل والنهار يصل إلى حوالي 1000 درجة· وبالطبع فإنه لا يمكن لأي كائن حي أن يعيش في مثل هذا الجو ·
والحقيقة التي خرجنا بها مما تعلمناه حتى الآن، هي أن جميع الكواكب التي توجد في المجموعة الشمسية باستثناء الأرض غير صالحة للحياة· وجميع الكواكب التي توجد في المجموعة الشمسية هي عبارة عن أجسام ميتة وهامدة· أما أرضنا فهي تحتوي على جميع متطلبات الحياة وهي كوكب متعدد الألوان· وهي تبدو من الفضاء في صورة بهية لما تحتويه من غابات خضراء وبحار زرقاء· وقد أصيب أول رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى القمر بالدهشة والذهول بمنظر الأرض الملون الخلاب ·
الأجسام السماوية الأخرى
مذنب |
توجد أجسام سماوية أخرى ضمن المجموعة الشمسية، ومن بينها المذنبات والصخور والشهب· وهي الأجسام المتبقية من الغبار والغازات إثر تكون النظام الشمسي قبل حوالي 4 إلى 6 مليار عام·
المذنبات: تكونت من الغازات والغبار، وأحيانا يتجمع بعضها حول الشمس· ويتبخر ما على سطح المذنبات عندما تقترب من الشمس بفعل حرارتها الشديدة· ويظهر لهذه المذنبات ضوء ساطع عندما ينتهي تبخرها· ويتكون غاز وغبار كثيف حول نواتها· ويطلق اسم ''شعر'' على كتلة الغاز والغبار هذه· وبالإضافة إلى ذلك يتكون من جديد مذنب آخر من الغازات والغبار حول هذا ''الشعر ''·

النيازك هي أجزاء منفصلة عن النجوم · |
الصخور: وهي الأجسام الصخرية الموجودة في الفضاء· وبشكل عام تلاحظ هذه الأجسام بين كوكبي الماريخ والمشترى· ولا يتجاوز قطر الصخور 1000 كيلومتر على أقصى تقدير · النّيازك: هي بشكل عام القطع التي تنفصل من الصخور أو المذنبات، وهي أقسام من صخور صغيرة، أو خليط من صخور و حديد، وعندما تدخل إلى فضاء الأرض ترتفع حرارتها وتترك مجموعة من الخطوط الدقيقة· وهذا هو الذي يقال له ''نيزك''، ولكن بعض هذه النيازك تحترق كاملة وتسقط على الأرض عندما لا تندثر تماما ·
غير أننا نريد أن ننبهكم إلى أمر مهم في هذا الموضوع: فالنيازك التي تدخل في المجال الجوي للأرض نادرا ما تسقط على سطح الأرض· وعندما تسقط فإن الأضرار التي تسببها تختلف وفقا لحجم كبرها· وأرضنا هي في كل لحظة عرضة لهذه المخاطر· غير أن الله تعالى خلق هذه الأجسام وجعل أكثرها يحترق ويندثر في الفضاء، وبالتالي لا تمسنا أضرارها· وهذه بلا شك إحدى العلامات على عطف الله علينا ورحمته بنا ·
نعم أيها الأطفال لقد وصلنا إلى نهاية القسم الثاني· وبعد ما تم شرحه في هذا القسم لابد أن تكونوا قد أدركتم أن الله تعالى هو الذي يسير هذه الأجرام السماوية كبيرها وصغيرها، وهو الذي ينظمها في كل لحظة على نحو غاية في الإتقان ·
|